إخوان ماركس ... والإسلام ( 8 )
تأليف الباحث / عوض العرشانى
الحلقة الثامنة
الفصل الثالث
![]() |
![]() |
|
| أولا : الرد الفكرى والعلمى على النظرية والمبادىء الخمسة |
||
![]() |
![]() |
المبدأ الأول
الرد على العامل الاقتصادى
كمحرك للتاريخ
انتهى الفكر الإنسانى فيما يتعلق بفكرة الماركسية بان " العامل الاقتصادى هو الذى يحكم مجرى التاريخ " وأنه العامل الوحيد فى تفكير البشر ووعيهم ..
وانتهى هذا الفكر إلى ما يشبه الإجماع إلى فساد هذا المنطق ومجافاته للحقائق العلمية ، وتجاهله للواقع والعوامل الأخرى.
ويرجع الغالبية من المحللين أخطاء ماركس إلى تأثره فى دراسته بما كان سائدا فى المجتمع الأوربي الغربى فى أواسط القرن التاسع عشر ، وأنه عمم استنتاجاته النظرية ، وصاغها من وحى تلك البيئة وحدها .. متوهما أن ، تاريخ البشرية لا بد وأن يكون مماثلا لتاريخ أوروبا . فمهما تفتق العقل الإنسانى فانه لن يستطيع أن يصل إلى مفتاح واحد يفسر به تطورات المجتمعات البشرية ، بل الأصح أن يقال أنه " ليس للتاريخ من قانون مطلق إلا نسبية القوانين ".
****
العامل الاقتصادى وحده
غير كاف لتحريك التاريخ!!
1. لقد جانب الصواب ماركس حين عزى بأن العامل الاقتصادى هو المحرك الأساسى لكافة حوادث التاريخ والمسبب لمختلف الثورات , ووجه الخطأ فى هذا المنطق انه تجاهل أهم العوامل الاجتماعية الأخرى التى لا يمكن فصلها عن غيرها من العوامل كالدين ، والأخلاق والعادات والنظم السياسية وغيرها , من العوامل الأخرى , كالمناخ والبيئة , وعدد السكان ، والتى تشكل مع غيرها من العوامل أهمية تضامنية. ويرتبط بعضها ببعض ، ولا يمكن تعيين عامل واحد يؤثر فى جميع الأحوال على العوامل الأخرى.
ويرى البعض أن هناك من العوامل ما تفوق فى أهميتها العوامل الاقتصادية. فيقرر" جوستاف لويون " أنه إذا كان العقل هو الذى يخلق العلم , فإن المشاعر والعواطف والمعتقدات , هى التى تحدد مجرى التاريخ. ويذهب العالم النفسانى " أولر " إلى أن غريزة حب السيطرة , هى التى تحتل مكان الصدارة فى تسيير مجرى التاريخ.
* * *
انحطاط بالإنسان!!
ومغالاة فى التفكيير !!
2. لقد غالى ماركس مغالاة مسرفة , فى تقديم وتبسيط العامل الاقتصادي على ما سواه , وانحط فى الواقع بالإنسان والمجتمع , إلى درك مستوى الإحصائيات الاقتصادية , فقد تجاهل هذا التبسيط المغالى فيه , حقيقة أن عمل الإنسان معقد إلى حد لا يمكن حصره بعامل واحد. فالإنسان – كما يرى البعض – يعمل من ناحية فى سبيل الكسب المادى ، ومن ناحية أخرى , بسبب حبه لإنسان آخر , كما أنه من ناحية ثالثة مستعد لبذل حياته بسبب وطنيته.
وما يصح تطبيقه على الأفراد , ينطبق أيضا على المجتمعات ، وهو أكثر انطباقا فى الحالة الأخيرة , لأن سلوك البشر أفرادا وجماعات على السواء هو دائما مزيج من دوافع مختلفة.
ولعل ذلك يفسر لنا إلى أى مدى صحة الاستقراءات التاريخية للثورات , وهى من الحوادث التاريخية العامة , التى ترجع إلى تطور قوى الإنتاج ، فهناك الثورات العقائدية ومثلها الواضح ثورات الرسالات السماوية الثلاث والثورات التى وقعت بين الكاثوليك والبروتستانت فى أوروبا. والثورات القومية التى تقوم بها أجناس متعددة تضمها دولة واحدة بقصد الانفصال , كما أن صفحات التاريخ تطالعنا بصورة من كفاح الشعوب, المتطلعة إلى التحرر من سيطرة الاستعمار ، والتى ترجع إلى النزعة الوطنية. والكرامة وحب الحرية ، أكثر مما تعزى إلى العوامل الاقتصادية وأدوات الإنتاج.
ولذلك " فانه من الخطأ , أن نضع قاعدة تبنى عليها كافة التطورات الاجتماعية والسياسية. بل هناك عوامل مختلفة من سياسية واقتصادية إلى اجتماعية إلى عنصرية إلى عقائدية , تتفاعل فيما بينها ، لتحدث التطورات المختلفة .
وتارة تكون الغلبة لبعض هذه العوامل ، وتارة تكون الغلبة للبعض الآخر ".
الوقوع فى الميتافيزيقية
من حيث اعلان العداء لها !!( 27 )
3. وهكذا تتداعى النظرية الماركسية ويتداعى معها انهيار أهم مبدأ من مبادئها أمام هذه الحقائق ، وتنهار بالتالى كافة الجوانب الفلسفية المادية من جدلية وتاريخية , وبذلك تكون الفلسفة المادية التى أعلنت عداءها السافر للميتافيزيقيا وللفلسفة المثالية على النحو الذى طرحته فى جوانبها المختلفة والتى ليست هى مجال دراستنا هنا – قد وقعت بدورها – ورغم انفها فى الميتافيزيقيا. أو على حد تعبير الفيلسوف الوجودى " جان بول سارتر " فى رده على الماديين الذين يأخذون على المثاليين اشتغالهم بالميتافيزيقيا , حين يردون المادة إلى الروح "
بأى معجزة يصرح هذا المادى لنفسه بالاشتغال , حين يرد الروح إلى المادة؟ " وأنه إذا زعم المادى وقوفه من مبادئه – بهذا السلوك – فلا يصدر تأكده إلا عن حدوث أو استدلالات قبلية " أى عن هذه التأملات نفسها التى يعيبها. ولهذا ينظر – سارتر الآن – إلى المادية كنوع من الميتافيزيقيا , خلف الوضعية ولكنها ميتافيزيقيا , تحطم نفسها بنفسها لأنها إذ تقوم بهدم الميتافيزيقيا تطبيقا لمبادئها , تحذف كل أساس لإثباتاتها الخاصة.
* * *
الخلافات العقائدية
تسقط العامل الاقتصادى ..كيف ؟
4. ثبت علميا أن العامل الاقتصادى يسقط عندما يكون النزاع بين دولة ما أو شخص ما على معتقد من المعتقدات فقد يحدث النزاع بين دولة وأخرى بسبب ما إذا كان هذا السبب سببا اقتصاديا أمكن التوفيق والتسوية بين طرفى النزاع , ولكن إذا كان النزاع قائما على خلافات عقائدية غير اقتصادية ،فإن الموقف يستحيل تسويته
وهذا أيضا ينطبق على الأفراد.
صحيح أن للعامل الاقتصادى أهمية ما لكنه لا يشكل حقيقة الكون وقانونه. فالناس عادة – وهذه حقيقة – مستعدون للمساومة على المسائل المالية ، ولكنهم لم ولن يكونوا مستعدين عندما تكون هذه المساومة تتعلق بجانب القيم ، والكرامة الإنسانية والأخلاقيات المتأصلة فى النفوس , كحرية الفرد أو حرية الدين أو حرية الوطن. فقد يهب الإنسان حياته من أجل معتقد ما ، ولكن هذا الإنسان نفسه غير مستعد أن يضحى بحياته من أجل صفقة مالية مربحة.
أليست هذه هى الحقيقة ؟
وهذا مثال حى من الواقع نورده كدليل على إسقاط مبدأ أن العامل الاقتصادى يتحكم فى مجرى التاريخ وفى حياة البشر.
والأمثلة على ذلك كثيرة .. وكثيرة جدا. ولا يسعفنا المجال هنا بتعدادها.
* * *
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مراجع وهوامش :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 27 )ماهى الميتافيزيقيا ؟
معناها علميا ( علم ماوراء الطبيعة ) وهى تبحث - كما يقول العلماء - عن دراسة مبادىء الحقيقة ؛ المتجاوزة تلك.
وتفسر على أنها فلسفة تبحث فى أسرار الكون ؛ والظواهر الفردية. وهى تعنى ؛ شرح الطبيعة الأولية للوجود والعالم ؛ ولا يعتبرها الشيوعيون كحقيقة كونيه ؛ لأنهم لايؤمنون بما وراء الطبيعة ( أى الغيب)
وجاءت الكلمة المكونة من شقين من اللغة اليونانية ومعناها : (ميتا)
وتفسيرها ( ماوراء ) واما الشق الثانى فهو
ماد ى او طبيعى - كما يقول العلماء ) ( انظر ويكيبيديا ؛ الموسوعة الحرة),( فيزيكا )
فيزكا هو الشق اليونانى الثانى ويعنى المادى او الطبيعي
فى الحلقة القادمة
المبدأ الثانى
مبدأ الصراع بين الطبقات
( ح )





